وجهات النظر في الكتابة الروائية:



وجهات النظر من الأساسيات المهمة التي يجب على كل كاتب أن يتعلم طريقة توظيفها بالطريقة الصحيحة

فلنبدأ بالتعريف: وجهات النظر هي العدسة التي نرى من خلالها القصة. ولا يوجد نوع خاطئ وآخر صحيح، بل يعتمد الاختيار على نوع القصة وهدفها.

يفضل الاستقرار على نوع واحد خلال الرواية لكي لا يرتبك القارئ.


كيف نختار الشخصية التي نرى الحكاية من منظورها؟

يمكن للقصة ذاتها أن تأخذ منحنى آخر بمجرد تغيير وجهة النظر. إذا أخذنا على سبيل المثال رواية تدور أحداثها عن حادثة اختطاف، والشخصيات الرئيسية تتكون من الأم، والأب، والخاطف، والطفل، والمتهم البريء. فإذا تركزت الراوية على الأم والأب أو أحدهما، فإن الموضوع المتناول سيكون الألم والفقد، وهذا مناسب إن أردت الرواية أن تنتهي بطلاق الزوجين، اللذين عجز زواجهما الهش أساسًا عن تحمل الضغط الذي تسبب به الاختطاف.

وإن جرت القصة من وجهة نظر الطفل فستكون عن الحيرة، والخوف، والهرب. وبسبب غيابه عن والديه لن يعرف القارئ المجريات التي تحصل معهم، لكنه بالمقابل سوف يجد الكثير من المشاهد بين الطفل والخاطف.

وأما إن كانت القصة من وجهة نظر المتهم البريء الذي سُجن بسبب جرم لم يرتكبه، فستصبح الرواية عن الظلم، وإذا كانت من وجهة نظر الخاطف، فستكون القصة على الأرجح عن الشر أو الجنون، ودوافعه الخفية.

في جميع الحالات لا يوجد ما هو خاطئ بشأن أيٍ من وجهات النظر، لكن الاختيار يتم حسب هدفك من القصة.

ونحب أن ننوه أن الشخصية التي تروي ليس بالضرورة أن تكون هي الشخصية الرئيسية، رغم أن ذلك هو الشائع. ومثالٌ على ذلك هو رواية (غاتسبي العظيم).

مزايا جعل الراوي مختلفًا عن الشخصية الرئيسية تتمثل في الآتي:

1- أن القصة يمكن لها أن تستمر حتى بعد وفاة الشخصية الرئيسية

2- يمكن إضفاء الطابع الكتوم للشخصية الرئيسية

3- ويمكن أيضًا أن تبدي الشخصية المختارة بملاحظات لم تكن لتخطر على بال البطل أبدًا.


وهذه بعض الأسئلة التي تساعدك في اختيار وجهة النظر المناسبة:

- من الذي سيتضرر بسبب الأحداث؟

- من سيكون موجودًا في ذروة الأحداث؟

- من له الحصة الكبرى من المشاهد الجيدة؟

- من الذي يوفر لنا نظرة مشوقة إلى القصة؟

أنواع وجهات النظر:

قبل أن تقرر وجهة النظر المناسبة لعملك الأدبي، من الأفضل أن تطلع على أنواع وجهات النظر لكي تحدد أيٌ منها أنسب.

تتعدد أنواع وجهات النظر كثيرًا، ويصعب حصرها في مقال واحد، ولكن توجد أنواع رئيسية والتي سنتحدث عن ماهيتها، مزاياها، استخداماتها، والأخطاء الشائعة التي قد يقع فيها الناس بسبب استخدامها. وسنأتي على ذكر أنواع أخرى أقل شيوعًا من باب المعرفة لمن يريد التوسع.

ضمير المتكلم الحاضر:

في وجهة النظر هذه يكون القارئ مع الشخصية وسط الحدث ويشهد معه مجريات القصة.

يتميز ضمير المتكلم الحاضر بالآتي:

1- قريب للسايكولوجي. لأننا في داخل رأس الشخصية ونرى ما تفكر به وتفعله عن قرب.

2- ضمير المتكلم لا يعتمد عليه. إن كنت تكتب عن سكير، أو مريضة نفسية، وتريد تضليل القراء فإن وجهة النظر هذه ستكون مناسبة. أظهر لهم العالم من خلال عيني هذه الشخصية الكاذبة، أو المخادعة، أو المجرمة، ودعهم يأخذون صفها ويتعاطفون معها. وهذا يضيف للقصة بعدًا آخر ويجعل كشف الستار في نهاية القصة صادمًا أكثر.


مساوئ ضمير المتكلم الحاضر:

1- قد يكون مزعجًا للقراء أحيانًا، لأن الأحداث تحدث لأول مرة معه، وقليلون فقط من يملكون الحكمة الكافية للتفكير وتحليل المشهد وإتخاذ القرارات الصحيحة من أول لحظة يواجهون فيها المشكلة، وذلك يجعله في عين القارئ مفتقرًا للحكمة. وهذا على عكس صيغة المتكلم الماضي التي تكون فيها الشخصية قد مرت بالموقف وكونت عنه انطباعًا، وأصبحت أكثر حكمة أثناء قص الأحداث.

2- قد تبدو الحوارات متكلفة بعض الشيء، لأنه يستحيل على المتكلم الذي يروي حكايته أن يتذكر تفاصيل الذي قيل.

3- قد يشوب الرواية بعض التكرار، لأن الأفكار بطبعها تتكرر داخل رأس الشخص.


عند استخدامه عليك مراعاة النقاط التالية:

1- على تفكير الشخصية أن يوافق العمر العقلي لها. لأن الراوي يتحدث عن أمر يحصل الآن لا تستطيع أن تزوده بحكمة تفوق عمره، كأن تجعل الطفل يتكلم ويفكر كالبالغ على سبيل المثال.

2- لا يمكنك أن تكتب عن أمور لم يشهدها الراوي، أو أفكار لم تخطر على باله.

3- يجب كتابة القصة بالتسلسل. باسثناء قصص الطفولة، والأمور التي حصلت في الماضي، يفضل أن تتسلسل أحداث القصة بالترتيب دون القفز بين المشاهد.

4- لا تجعل الشخصية تفكر بطريقة متكلفة، أو تصف نفسها بأوصاف لا يمكن لأحدٍ أن يصف نفسه بها. كأن تقول "طولي 189سم، وزني 90 كيلو، شعري أسود، وأرتدي سترة بيضاء وبنطالًا طويلًا". هذا ما يراه الناس ويصفونه من الخارج، ولكن الشخص الطبيعي لن يصف نفسه بهذه الطريقة أبدًا، ومن الأفضل أن يتداخل الوصف مع الأحداث بانسيابية. لذلك من الأصح أن تقول "بحثت بين الملابس عن سترتي المفضلة، وعندما وجدتها أخيرًا تبين لي أنها قد صغرت. يبدو أنني قد سمنت قليلًا، لكنني بالطبع لن أقف على الميزان وأكتئب أكثر، وبسبب طولي الفاره سيصعب علي أن أجد سترة أخرى تناسبني. ربما تكون هذه إحدى الأمور التي تفرضها علينا الحياة الجامعية." من خلال النص يتبين لنا أن الشخصية طويلة، سمنت مؤخرًا، وأنها في المرحلة الجامعية، ومن خلال طريقة كلامها ندرك أنها تجد صعوبة في تقبل ضخامة حجمها. كما تلاحظون تداخلت الأفكار مع الوصف وأصبحت أقرب لما قد يفكر به أحدهم. وأيضًا لا تكتب "احمرت وجنتاي" أو "علت الابتسامة وجهي" لأنه من المفترض ألا ترى الشخصية وجهها.


ضمير المتكلم الماضي:

تكون الرواية من منظور الشخصية الرئيسية وتستخدم صيغة المتكلم مثل التي ذكرناها سابقًا، وتشترك في بعض الخصائص مع ضمير المتكلم الحاضر، لكن الفرق يكمن في كون الشخصية تتكلم عن الماضي وعن أحداث حصلت وانقضت.

يتميز ضمير المتكلم الماضي بالآتي:

1- يمكنك هنا أن تجعل التفكير لا يوافق المرحلة العمرية، لأن الراوي يتكلم من المستقبل عن الماضي، وقد كون بالفعل إنطباعاته للموقف وأصبح أكثر حكمة.

٢- لا يشترط الترتيب في الأحداث، ويمكن التنقل بين الأزمنة بحرية كما تراه مناسبًا.

٣- ضمير المتكلم الماضي لا يعتمد عليه. مثل ضمير المتكلم الحاضر.


عند استخدامه عليك مراعاة النقاط التالية:

١- معقدة في التركيب قليلًا، لأن عليك أن تبني الماضي الذي عاشته الشخصية وتحكي عنه، والحاضر الذي تتكلم منه حاليًا، بالإضافة إلى كل ما حصل في المنتصف حتى تصل إلى هذه المرحلة.

٢-لا يمكنك أن تكتب عن أمور لم يشهدها الراوي، وتشبه في ذلك ضمير المتكلم الحاضر.

٣- لا يمكنك أن تدخل في رأس شخصيات أخرى، إلا إن كانت روايتك عن موهبة التخاطر التي تمتلكها الشخصية.


ضمير الغائب:

ضمير الغائب هو المستخدم عادة في كتب الأطفال، لأن كلمة أنا وضمير المتكلم في القصة قد يربك الأطفال الذين لا يزالون في طور اكتشاف حسهم بالأنا. لهذا كتبت قصص سندريلا، وهاري بوتر، وغيرها من القصص بضميرالغائب.

وبالطبع فهو لا يقتصر على أدب الأطفال ومتواجدٌ في أدب الكبار أيضًا.

وينقسم ضمير الغائب إلى ضمير غائب محدود، وضمير غائب متعدد.

الضمير الغائب المحدود هو الذي يتحدث عن شخصية واحدة إلى ضمير غائب قريب، وضمير غائب بعيد، وضمير غائب متوسط البعد.

أما ضمير الغائب المتعدد فهو الذي يتناول أكثر من شخصية واحدة.


ضمير الغائب القريب:

إن ضمير الغائب القريب يشبه في بعض خصائصه ضمير المتكلم، فنحن فيه ننفذ إلى داخل عقل الشخصية ونستكشف أفكاره عن قرب. وكأنه إعادة تحوير للنص باستخدام ضمير مختلف.

ولأنه ليس منغلق بنفس قدر ضمير المتكلم، فهو يتميز بسهولة إبعاد السرد عن الشخصية وتضمينه مقاطع تفسيرية عنها.

يجب الحذر عند استخدام هذا الضمير، لأن التنقل المستمر بشكل غير مدروس بين أفكار الشخصية والمشاهد البعيدة قد يولد الحيرة لدى القارئ، وتفقد الرواية سلاستها.


ضمير الغائب البعيد:

يأتي هذا الضمير نظيرًا للذي قبله، ويمكن اعتباره كتسليط الكاميرا على البطل عبر الغرفة. ثم تبتعد الكاميرا لتشمل في الصورة أناسًا آخرين.

نحن لا ندخل إلى عقل الشخصية ونبقى مجرد مراقبين له من بعيد.

وهي تنجح بشكل ممتاز إذا كانت الشخصية التي تكتب عنها غير ودودة، أو شديدة التعقيد. أو إن كنت تفضل أسلوبًا رسميًا. أو إن كنت ترغب وصف الشخصيات من الخارج بحرية دون أن تمر الملاحظات على أعين الشخصيات.


ضمير الغائب المتوسط البعد:

إن هذا الضمير يقع بين ضمير الغائب القريب والبعيد. وتستطيع بواسطته الاقتراب للشخصية واستكشاف عقلها ومن ثم الابتعاد وشمول مشاهد بعيدة.

وتكون في معظم الرواية على بعد بضع أقدام، ولكنك تملك الحرية للاقتراب ودخول عقل الشخصية، أو الابتعاد والنظر إليها من بعيد.


ضمير الغائب المتعدد:

هو ببساطة ضمير الغائب ذاته، ولكنه يشمل عدة شخصيات. ويتميز في كونه مريحًا في الاستعمال، ويغطي مجموعة من المشاهد الواسعة، ويتيح للكات أن يعطي معلومات لا يعرفها البطل، ويمكنه أيضًا أن يوفر وجهات نظر متضاربة عن الحدث الواحد. مثل تضارب القيم والأخلاقيات بين الشخصيات.


أنواع أخرى أقل شيوعًا:

1- كلية الوجود:

وهي أن يقتحم الكاتب الرواية ويعلق بصوته على الشخصيات. يستطيع من خلالها توجيه تفسير الأحداث للقراء مباشرة، وإثراء الرواية بوجهة نظره، خاصة وإن كانت تعارض وجهة نظر الشخصية.

ولكنها من الناحية الأخرى تجعل العالم الخيالي يبدو أقل واقعية، وتجزئ القصة، وتبعد القارئ عن الشخصيات.

كانت وجهة النظر هذه هي الخيار الشائع في القرن التسع عشر، ولكنها أقل شيوعًا الآن.


2- الرسائلي:

وهي أن تتكون الرواية من مجموعة من الرسائل، تسمى أحيانًا بأدب الرسائل. وقد تكون منفردة، أو متداخلة مع نوع آخر سبق ذكره.

مثال عليها هو (صاحب الظل الطويل) حيث نتعرف على مجريات الرواية من خلال الرسائل التي ترسلها الشخصية الرئيسية إلى صاحب الظل الطويل.


وهكذا نكون قد انتهينا من مقالنا لهذا اليوم.

إن عالم وجهات النظر أوسع من ذلك بكثير، وبه تفاصيل أكثر مما تم ذكرها هنا، إن أردتم تعلم المزيد يمكنكم الإطلاع على كتاب (تقنيات كتابة الرواية) لنانسي كريس.


6 مشاهدة

©2020 by boxcomapany. 

This site was designed with the
.com
website builder. Create your website today.
Start Now