أمور يدركها الكاتب المحترف وتغيب عن ذهن الكاتب المبتدئ

عندما يبرع المرء في شيء معين تجده يعمل بسلاسة واتقان دون أن يقف لحظة ليراجع الخطوات التي اتخذها أو الأساسيات التي تستند عليها الحرفة، يصبح كل شيء بديهيًا بالنسبة له. لذلك نجد المحترفين في الكتابة – وفي المجالات الأخرى – بارعين في عملهم دون جهد يذكر.



بالطبع لبلوغ الاحتراف عليك المرور بجميع المراحل، ولا سبيل لك لتخطي مرحلة المبتدئين دون المرور بها كما مر بها من قبلك. ولكن توجد بعض الأمور البسيطة التي توجه انتباهك إلى نواحي لم تكن تدركها من قبل؛ وبالتالي تختصر عليك بعض الوقت وتجعل عملك أفضل وأكثر احترافية.


في هذا المقال سنتحدث عن بعض النقاط التي يقوم بها المحترفون في الكتابة ولا يدركها المبتدئ في البداية.

قد تحتاج إلى تضمين هذه الأمور بشكل واعٍ في البداية وربما دراستها حتى، ولكن مع الوقت وبشكل تدريجي سوف تصبح بالنسبة لك من المسلمات.


أمور يدركها الكاتب المحترف وتغيب عن ذهن الكاتب المبتدئ


1- الوصف بدل السرد:


السرد هو الاخبار ونقل الحدث دون ذكر التفاصيل، مثالٌ على ذلك: (خيب أملي). لقد نقلت الخبر دون تفصيل للحدث، ولن يعرف القارئ ولا المستمع كيف خاب أمل الشخصية ولا ما قيل لها. ويمكن أن تكون الجملة مضللة ومجرد انعكاس لما شعرت به الشخصية التي تروي القصة ولكن ليس ما حدث فعلًا.

السرد يشبه ما قد تسمعه في نشرة الأخبار، أو الكتب العلمية، أو الكتب غير الروائية بشكل عام.


أما الوصف فهو تحويل الأحداث من مجرد سرد إلى صور، وأصوات، وأحاسيس لتحفيز المخيلة وتعميق التجربة القرائية.

إذا أردنا تحويل المثال السابق إلى وصف فسوف يصبح: (أمضيت الليل بطوله وأنا أعمل على اللوحة. اهتممت برسم ملامحه الجادة، وانحناءات بدلته الثمينة، وخطوط يده الدقيقة، وخصلة الشعر المتمردة عن نسق شعره المصفف. أردت لكل التفاصيل التي أضفتها أن تعبر عن مدى ملاحظتي له وعن رغبتي في القرب منه. ولكن عندما رآها في اليوم التالي نظر إليها ببرود وقال: "أحسنتي" ومن ثم مضى وتركني أحملها بيدي التي اهترأت من كثرة القبض على الفرشاة).

هل لاحظت أن كلمة (خيب أملي) لم تذكر حتى في المثال؟ هذا هو الوصف، إنك تترك القارئ يحدد انطباعه من خلال الحدث الذي وصفته له.


وبجوار حقيقة أن الشخصية الرئيسية قد خُيب أملها من قِبل شخص، يمكنك استخلاص العديد من الأشياء من خلال النص. منها ما هو متعلق بالشخصية الرئيسية فهي رسامة بارعة في رسم التفاصيل، وهي معجبة بهذا الشخص الذي عاملها ببرود. ومنها ما هو متعلق بطبيعة علاقتها مع هذه الشخصية، ويبدو من جملة (انحناءات بدلته الثمينة) أن الشخصية ثرية. وكل هذا لا يمكن إدراكه وتوصيله للقارئ من مجرد السرد.


إن هذا مجرد مثال توضيحي، وحسب أهمية الموقف ومقدار تأثيره على مسار القصة نستطيع زيادة الوصف أو تقليله.


يُشاع بين الكتاب قول "أرنا لا تخبرنا" أو "show don’t tell" للتذكير بأن هدف الروائي هو وصف المشاهد كما هي وترك الحكم والتفسير للقارئ.


على الرغم من أهميه الوصف إلى أن الوصف والسرد يُستخدمان معًا بتوازن لتحريك القصة وإحداث الأثر المطلوب. والكاتب البارع يعلم متى يستخدم الوصف ومتى يستخدم السرد.

للمزيد عن الوصف اطلع على (مقدمة في الوصف الأدبي).



2- ربط النقاط ببعضها:


القصة تحتوي على العديد من العوامل: الشخصيات، والأحداث، والحبكة، والمحيط... إلخ.

ويستطيع الكاتب البارع أن يربط الأمور ببعضها ببراعة من خلال ابتكار الشخصية المناسبة ووضعها في الحدث المناسب لتظهر حبكة القصة بشكل صحيح.


الأمر ليس بسيطًا كما يبدو، إن الحدث مجرد انعكاس لأفعال الشخصية ودوافعها. بعبارة أخرى الشخصية الرئيسية بأفعالها وأقوالها هي من تحرك القصة وتوصلنا للحدث المطلوب وليس العكس.


يمهد الكاتب للحدث الرئيسي في القصة من خلال التعريف بالشخصيات، وكشف الدوافع، وتحديد الرغبات والأهداف. وإن أتت الأحداث خارجة عما تم بناءه في البداية فستبدو الأفعال مصطنعة وغير متوافقة.

تتسلسل الأفعال بشكل منطقي حتى تصل إلى الطرف المقابل ولا تأتي عنوة دون سابق تجهيز.


إن كتابة رواية هو بناء عالم، وعلى الكاتب أن يبرع في إبراز الشخصيات وجعلهم أناسًا حقيقيون حتى يصدق القارئ ما يقرأ ويتأثر به.



3- الإيجاز في الإيصال:


يستطيع الكاتب المحترف شرح فكرته وإيصالها للقارئ في بضع كلمات وافيات، والإيجاز من البراعة في الكتابة و (خير الكلام ما قل ودل).

لا حاجة إلى إطالة الشرح لصفحات عديدة إن كان بإمكانك إيصال المعلومة في سطرين، ومن الأفضل أن تتداخل المعلومات التي تريد إيصالها مع النصوص والمحادثات حتى يدركها القارئ دون أن يشعر أنه يتلقى درسًا.

وإن وجدت خلال مراجعتك للنص بعض السطور التي يمكن اختصارها فافعل ذلك.



4- واسع الاطلاع:


صحيح أننا نتكلم عن كتابة الروايات والقصص الخيالية – والتي لا مراجع لها – ولكن حتى هذه عليها أن تستند للمنطق، خاصة وإن كانت تحدث في عالمنا وليس عالمًا مبتكرًا (فانتازيا).

إن كنت تريد تشريح جثة القتيل فاستند على معلومات حقيقية، وإن كنت تتحدث عن الأسلحة فاقرأعنها أو اسأل خبيرًا.

من المهم أن تكون ملمًا بما تكتب لسببين رئيسين: لكي لا تصبح أضحوكة، ولتكون قصتك أكثر قابلية للتصديق. كما أن الإلمام بالشيء يسهل عليك تخيله والكتابة عنه.



5- يعلم من أي زاوية يروي الحكاية:


إن كل القصص يمكن لها أن تكون قصصًا أخرى مختلفة تمامًا لو أن الكاتب اختار أن يرويها من زاوية مختلفة.

فنظرة الابن لحادثة الاختطاف تختلف عن وجهة نظر الوالدين، ونظرة الخاطف، ونظرة الشرطي الموكل بالقضية.


لذلك عند اختيارك للقصة اختر بحرص وجهة النظر التي تخدم القصة التي تريد روايتها، وربما تحتاج إلى استخدام عدة وجهات نظر لرواية القصة. وأكثر شخص يستطيع تحديد ذلك هو الكاتب وحده لأنه يعلم أبعاد القصة وإلى أين تنتهي.


يستطيع الكاتب البارع تحويل قصة عادية للغاية ويسهل توقعها إلى عمل استثنائي عن طريق اللعب بالراوي وتغيير وجهات النظر.


للمزيد عن وجهات النظر في العمل الروائي اطلع على (وجهات النظر في الكتابة الروائية).



6- يكتبون أكثر من مخطوطة واحدة:


يشوب المخطوطة الأولية الكثير من الثغرات والأخطاء، ونحن هنا لا نتحدث عن الأخطاء الإملائية وحسب، بل أيضًا ثغرات في بناء القصة، وتضارب في الأحداث، ونقص في الشرح أو إفراط فيه. بعض هذه الأخطاء تكون فادحة وبعضها الآخر لا يظهر سوى بالتدقيق.

إن الكاتب المحترف يعلم أن مخطوطته الأولى لن تكون كاملة، وسيسعى بعد الانتهاء منها إلى تنقيحها والتعديل عليها كما يراه مناسبًا.


بعض الكتاب يستخدمون المخطوطة الأولية كطريقة لاستكشاف القصة، فهم يبدأونها وهم لا يعلمون أين ستنتهي ويستكشفون أحداث القصة خلال مرحلة الكتابة (Pantsers)، لذلك بعد الانتهاء من القصة تظهر بعض الفجوات التي يتوجب تعبئتها في البداية وهنا تأتي فائدة المخطوطة الثانية أو حتى الثالثة.


يقول نيل قيميان " كتابة المخطوطة الثانية أشبه بتحويل العمل حتى يبدو وكأنك كنت تعلم ما تفعله طوال الوقت".


يقع الكثير من المتبدئين في هذا الخطأ ويأخذهم الحماس لنشر أول مخطوطة يكتبونها دون مراجعة. ومن الأفضل ترك المخطوطة لفترة من الزمن قبل العودة إليها وإجراء التعديلات.



7- مبتكر:


لا يقع الكاتب المحترف في النمطية وتكرار القصص والأمثال والتشبيهات. ولا يستخدم الاستعارات الميتة أو المبتذلة (للمزيد عن الاستعارات اقرأ مقدمة في الوصف الأدبي).


تستطيع طرح قضايا معروفة ومتكررة ولكن اطرحها بطريقتك.



8- اكتب وحدك ولكن راجع مع الآخرين:


الكتابة عمل مفرد يمكنك إنجازه وحدك، ولكن ما أن تنتهي من كتابك اعرضه على من حولك واستمع لتعليقاتهم وأجري التعديلات إن وجبت.

في النهاية إن القصة موجهة للقارئ وعليك الاستماع للقراء حتى تحدد جودة ما كتبت.



هذه كانت 8 أمور يدركها المحترفون في الكتابة وتغيب عن أذهان المبتدئين. نتمنى أن يكون المقال قد نال إعجابكم.


اتركوا لنا أي أسئلة أو اضافات بالأسفل، وشاركوا المقال مع كل الكتاب المبتدئين الذين تعرفونهم.


5 عرض0 تعليق

أحدث منشورات

عرض الكل